محمود محمود الغراب
الرؤيا والمبشرات 13
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به ، وكل ما أتى به من العلوم والأسرار مما عدا التحليل والتحريم ، فلا تحجير عليه فيما يأخذه منها ، لا في العقائد ولا في غيرها ، وذلك بخلاف حكمه لو رآه صلى اللّه عليه وسلم على صورته ، فيلزمه الأخذ به ، ولا يلزم غير ذلك ، فإن اللّه يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، هذا هو الفرقان بين الأمرين ، فقد يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الرؤيا أو في الكشف ، فيصحح من الأخبار ما ضعف بالنقل ، وقد ينفي من الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل ، كما ذكر مسلم في صدر كتابه ، عن شخص أنه رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام ، فعرض عليه ألف حديث كان في حفظه ، فأثبت صلى اللّه عليه وسلم من الألف ستة أحاديث وأنكر صلى اللّه عليه وسلم ما بقي ، فمن رآه صلى اللّه عليه وسلم في المنام فقد رآه في اليقظة ، ما لم تتغير عليه الصورة ، فإن الشيطان لا يتمثل على صورته أصلا ، فهو معصوم الصورة حيا وميتا ، فمن رآه فقد رآه في أي صورة رآه . ( ف ح 4 / 27 ) فمن اعتبر الرؤيا يرى أمرا هائلا ، وتبين له ما لا يدركه من غير هذا الوجه ، ولهذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أصبح في أصحابه ، سألهم : هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ لأنها نبوة ، فكان يحب أن يشهدها في أمته ، والناس اليوم في غاية الجهل بهذه المرتبة ، التي كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعتني بها ، ويسأل كل يوم عنها ، والجهلاء في هذا الزمان ، إذا سمعوا بأمر وقع في النوم ، لم يرفعوا به رأسا ، وقالوا بالمنامات يريد أن يحكم ، هذا خيال ، وما هي إلا رؤيا ؛ فيستهينوا بالرائي إذا اعتمد عليها ، وهذا كله لجهل المعترض بمقامها ، وجهله بأنه في يقظته وتصرفه في رؤيا ، وفي منامه في رؤيا في رؤيا ، فهو كمن يرى أنه استيقظ في نومه وهو في منامه ، وهو قوله عليه السلام « الناس نيام » ( ف ح 2 / 380 ) تعبير الرؤيا : اعلم أن كل متلفظ من الناس بحديث ، فإنه لا يتلفظ به حتى يخيله في نفسه ، ويقيمه صورة يعبر عنها ، لا بد له من ذلك ، ولما كان الخيال لا يراد لنفسه ، وإنما يراد لبروزه إلى الوجود الحسي في عينه ، أن يظهر حكمه في الحس ، فإن المتخيّل قد يكون مرتبة ، وقد يكون ما يقبل الصورة الوجودية ، كمن يتخيل أن يكون له ولد فيولد له ولد ، فيظهر في عينه شخصا قائما مثله ، وقد يتخيل أن يكون ملكا وهي رتبة ، فيكون ملكا ولا عين للمملكة في